ترجمة قصة بينوكيو إلى شعر لـ (بهار رضائي) وملصقا لـ (كريستيان جكسون ) 

من الكذب الى الحقيقة

 

ترجمة : مصطفى الشوكي

 

مغامرات بينوكيو ، القصة التي كتبها الكاتب الايطالي  كارلو كولودي ، والتي ظهرت فيما بعد بقوالب مختلفة في الرسوم ، والأشعار ، والقصص ، والطرائف ، وغيرها ..

الشخصية الأصلية للقصة ، لعبة خشبية صنعها رجل قروي اسمه جبيتو ..

بينوكيو ، لعبة مرحة ، يحلم دائما ان يصبح بشرا ، ثم يقع في كثير من المشاكل خلال القصة ، فيلجأ الى الكذب في كثير من الأحداث كي يخلص نفسه من تلك المشاكل ، لكن بالنتيجة هذه العادة تؤدي الى طول انفه كلما كذب ، فيتعلم من خلال القصة ان يتغلب على مشاكله والسعي للوصول الى أحلامه دون اللجوء الى ذلك  .

استمد الفنانون أفكارهم من مسألة كذبه وأنه كائن خشبي . لنختار من بينها نصا شعريا لـ (بهار رضائي) وملصقا لـ (كريستيان جكسون ) .

 

إهداء الى عزيزي الأب جبيتو

مع الحب والبغض !

الخشب الذي منه نحت بينوكيو

اسمه البشر

 

"كروتشه"[1]

بالمجلخة التي مررتها على وجهي

اكتملت

سلام أبي !

أنا قادم

لأكون بينوكيو الكذاب ..

 

صنعت قلبي بدقة متناهية

يعمل كالساعة

يعشق كثيرا

عشق حتى الملاك الحنون

الذي طالما رعاني ..

 

كفنطازيا هوليوود أيضا

لم يكن هناك من متلقٍّ

ابتدأت حكايتي ، أبي !

 

بعت أحلامي الجميلة

لأشتري لك السكر الصناعي

كي تتخلص من مرض السكري

ولا ترتفع درجة ضعف نظاراتك ..

لاتتالم يا أبي ..

 

حقا أني لا أصبح بشرا في يوم ما

وأنفي

يكبر كل يوم

لكني أعدك ..

عندما تبرد

أرمي نفسي ..

بنفسي .. في الموقد !

 

اسم هذا النص الشعري يعطي إحساسا مزدوجا من حيث الشكل والمحتوى الذي رسمه النص ، بمعنى ان الحب والبغض لا يلتقيان لكن يمكن ان يأتيا بخط أفقي .. الملفت للنظر في هذا النص انه لماذا يكون البغض ، العشق في علاقة الأب والابن او الخالق والمخلوق طبيعية ؟ بينما يتحرك المخاطب او المتلقي لإيجاد إجابة في هذا الشعر عن سبب بغض الراوي او بينوكيو من أبيه ؟

تتبلور استعارات لكروتشه في ذهن الراوي منذ البدء في بعض جمله : بان الإنسان يشبه بينوكيو ، ومصير الإنسان كمصير بينوكيو ، وباعتبار ان الاستعارة ممكنة في الشعر بتلك الجمل تكونت وبشكل قطعي ومؤكد منذ البداية لجذب المتلقي حول طبيعة علاقة المخلوق بالخالق ..

يمكن ان نقرأ مصير بينوكيو بقراءتين :

الأولى : ان يكون بينوكيو مضحيا وان يتبدل من لعبة خشبية الى إنسان حقيقي ..

والأخرى : ان يصل بينوكيو في خياله الى ان يكون مضحيا .. لكنه في الواقع يتألم من خلاله سعيه في ان يكون كذلك .. وفجأة وكما كل الأشياء الموجودة في الحقيقة يتلاشى حلمه ..

في النتيجة هناك مشاهد كما في تمرير المجلخة على الوجه ، وهي استعارة عن الام الحياة .. وهذه الاستعارة ذات وجهين ، مرة للبناء وأخرى للهدم .

فالمجلخة تدل على متاعب الحياة فيمكن ان يقول : كي يكون الشخص ذو هوية يجب ان تمر عليه المجلخة /يتألم . إذا في الحقيقة وجود المتاعب في حياة أي شخص تصنع منه إنسانا حقيقيا .

لكن المجلخة / المتاعب / هنا تساعد في بناء الإنسان وأيضا يمكن ان تساهم في انهياره في نفس الوقت .

الاكتمال في الشطر الثاني يمكن ان يكون بداية ثانية لتحوّل عدة قطع من الخشب الى لعبة خشبية او تحوّل لعبة خشبية الى إنسان حقيقي ..

لكن هذا الاكتمال ليس دائما بمعنى التكامل ، فأحيانا يؤدي على الانهيار ، كما لاحظنا في ختام الشعر ، حين يرمي بينوكيو نفسه في الموقد من اجل تدفئة جبيتو/خالقه ..


إلقاء نفسه في الموقد من حيث البنية الفوقية يمكن ان تدل على عشق لعبة خشبية لصانعها ، لكن من نظرة أخرى يمكن تصور الجحيم في ذهن المتلقي ..

يعتقد بينوكيو،  بسبب كذبه ، حبه للملاك الطيب ، مشاكساته  انه من المذنبين ، فيدمج بنظره الموقد/ الجحيم ، ليعتقد انه من أصحاب الجحيم التي يتم فيها حرق المذنبين .

ان ما يعطي جوابا أوليا لأذهان بعض المتلقين هو السطر الأخير .. فالراوي الذي هو بينوكيو .. ينتقد ويبغض الدنيا التي هي كالجحيم مليئة بالألم والمتاعب فيحاول الوصول الى هذه النهاية ..  تضحية بينوكيو بذهابه .. وليست برقيّ موجود وتحوله الى موجود آخر .

لكن حكاية بينوكيو .. استخدمها الفنانون بطرق وأساليب مختلفة ، فــ رضائي ركزت على ذلك الجانب من الحكاية الذي يشير الى الألم والمتاعب في مرحلة كونه لعبة ، ثم بعد ذلك لتعمم تلك المتاعب على مسألة تكون الخليقة ..

أما كريستيان جكسون فيعتقد ان التضحية هي جزء من وجود الإنسان ، فقام برسم حكاية بينوكيو في ملصق (بوستر) فيما يتعلق وبالقوة ولادة وخلق الإنسان في بينوكيو .

في الملصق الذي صممه جكسون ، نشاهد خطا أفقيا خشبي اللون تنمو فوقه ورقة . هذا الخط الأفقي يمثل انف بينوكيو ، وهو تشبيه مجازي  لبينوكيو ووجوده . فهذا الأنف في الملصق كان طويلا ، والمتلقي يعلم مسبقا ان بينوكيو عندما يكذب يطول انفه ..

وفي نظر جكسون ان برعما خرج من انف بينوكيو .. هذا التصوير يمكن ان يعطينا تفسيرات مختلفة :

التفسير الأول : هو حول فكرة الكذب والمبحث الفلسفي الذي يبتني في الوجود على الكذب ، والذي بني حول خلق الإنسان . ولكن الكذب يخضر ليتكاثر كما البراعم ..

لا توجد مساحة للألم والمتاعب في حكاية هذا الملصق .. لأنها لم تكن الهدف .. وركز بشكل مباشر على الولادة والتكاثر ..

التفسير الثاني الذي يمكن ان نصل إليه من خلال الملصق هو ان الأنف الطويل معنى مجازي صرف للدلالة على وجود بينوكيو .. وان بينوكيو نموذجا لدورة الوجود من     ( الوجود الخشبي الى ان يكون بشرا ) ، فيمكن ان يقال ان حياته بمثابة سفر من دنيا الجماد وانعدام الإحساس عند الخشب الى دنيا الحماس واللذة حين يكون شجرة/ الوجود أو الآدمية .

بينوكيو في هذا الملصق يتكاثر ، ليتحول من خشب فاقد للإحساس الى شجرة مثمرة .

نستطيع القول ان نظرة الفنان في هذا الملصق تبتني على تحول بينوكيو وفي النتيجة حيويته. وفي اعتقاد هذا الفنان ان التكاثر والحيوية تستطيع ان تنقذ بينوكيو ، وليس شرطا ان يكون انسانا او يعمل في المزرعة .

في النتيجة لو أخذنا بينوكيو بمثابة استعارة عن الإنسان، هذا يعني ان نجاته تكمن في تكاثره . التكاثر قدرة الشجرة لتكون . التكاثر عن طريق البراعم والسعي لكسر حاجز وحدود كونها من خشب عقيم ، لتتجذر وتتوالد ، وبالتالي تستطيع تغيير مجتمع .

 

 

 


[1]  بينديتو كروتشه ( 1866- 1956) : فيلسوف ايطالي من أتباع المدرسة الهيغلية الجديدة

این مطلب را به اشتراک بگذارید

 

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

نام:

ایمیل: